الاثنين، 25 أبريل، 2011

الكاهن



كان يراقب بعينيه من ثقب السماء الانهائية ، أطياف تراقصت بجنون مباح على رؤوس الحروف الإباحية ، تبصق الصدق كإفرازات خبيثة ، وتبلع رشفات الوهم على شرف عهر صريح ، شرعته قوانين لم تعرف صدق النوايا .
ورغم تضاريس العقول الوعرة ، وانسياب هبوب النفوس النتنة بين ثنايا الأرواح ، وتعاقب الليل والليل في طقس مجنون لم يعرف سوى فصل واحد أضاع ملامحه وسط عواصف هوجاء تقتلع الأخضر وتذر اليابس كشاهد على عكس عقارب الساعة ليعود الجميع لعصر ما قبل الأخلاق .. إلا أن الكاهن لم يرتح في برجه السماوي ، وضاق صدر الكون في داخله ، حتى تسللت أضواء الملل بين روحه وعقله ، وقرر أن يدنس قدميه بوحول الأرض ، وأن يهبط على سطح لم يلائم يوماً طهر ثيابه .
ما الذي وجده على هذه الأرض ، وذهب بلبه حتى يكسر مجاديفه النورانية على حدود خريطة أرضية تكاد تكون وهمية ، متسربلة بظلام سرمدي ، ينوء بحمله شظايا أرواح محطمة .
سألت قلبه قلبي : ماذا وجدت يا كاهني هناك ؟
ابتسم ثغره ثغري ، وأشارت لنفسها يدي أن أتبعيني ، أعبر مسافاتي ، أطوي أحلامي أمامي ، أسابق خطوات كاهني فاسبقني ، أفكر بعقله عقلي فلا يسعفني ، مسيرة قدماي فلا تخيرني ، تعرف أوطاني ولا تضيعني .
كل ما هنا مقيت فما الذي يجذب كاهني يجذبني .. فجأة لاحت له لي كأجمل وردة مضيئة ، لم أعلم كيف صمدت وسط هذا الحطام ، فمن ضعفها صنعت قوة ، ومن نبلها سطرت مجد ، ومن حبها أسرت كاهن نزل من عليائه إليها ، لأن هذه الوردة ليس هذا ركنها ، ولا ها هنا مكانها ، فمثلها خلقت لتعيش في ركن سماوي ، وتنمو وسط قلب كاهن عاشق نسي التبتل إلا على عتبات حبيبته ، فخلع كاهنوتيته ولبسها ثوب من نور ، تضيء به عمر جديد نبت على أطراف الحلم .
سيدةقلبي .. لو كان هذا القلب يُوهب ، لمزقت الشرايين التي توصله ببقية جسدي ، ولقدمته لك مغلفاً بحبي كهدية هي ملكك طالما ينبض هذا القلب بالحياة .

السبت، 16 أبريل، 2011

لأنني أحببتك



 
وقفت ألثم الصبح
أحلم ببقايا ليل على عتبات جفوني
اقرأ سؤال حائر في عيني طفلة ناضجة
ضاع جوابه على شفاه رجل حالم
ليتناسوا كل علامات الاستفهام الظالمة
وتتساوى موازين الغرام بين المحبين
حبيبتي هاهي أسوار المسافات تتهاوى خجلى بيني وبين حلمي البعيد
لألمس بأنامل الصبر حدود المستحيل
أنفض عن نفسي بقايا يأس راقصت آلامي على أرض أحلامي الصامدة في وجه رياح لم تشتهي أن توجه أشرعتك إلى حدود بحوري الثائرة
حبيبتي نعم اخترت أن أحبك لذلك سأغوص في أعماق نفسي الصاخبة
أحرك بيدي المرتعشة مياه مشاعري الراكدة في بحور حياتي الرتيبة
أملأ صدري بأنفاسك
لأزرعك بداخل كل خلية حتى تستوطني كل مساحات روحي العطشى
لأنني أحببتك سأضيئك في عيني شموع تذوب عشقاً وغراماً لتنصهري فيها صورة وجفوني لك برواز دائم
ألم تعلمي حبيبتي أنني نزعت قلبي على صدى ترانيم وثنية باردة
و أبدلتك به معزوفة تحاكي نبضه سخونة تسيح جليد صمتي السابق
طفلتي أنت
معشوقتي أنت
حلمي أنت والذي كان سراباً فيما مضى
واليوم أشرب من عذب مائه السماوي
أرقص ثملاً على أطراف شفاهك التي تهز توازني بابتسامتها العذبة فاسقط لتلتقطني كفوف أقدارها السعيدة
حبيبتي لقد مزقت كل أوراقي السابقة فقد كانت باهتة
صفراء
بل قد تكون وهمية لا وجود لها
ورسمتك على صفحة حياتي امرأة سابقت الزمن إليها فسبقتني
لتستقبلني على هدير صمتي الفاضح
تحتضنني طفلتي في صدر أوطانها
تنصبني أمير على عرش أنوثتها الطاغية
لأصبح العبد المسيد في مملكة حبيبتي
سيدتي هو ليس مجرد حلم
بل هو واقع زرعناه في قلب أحلامنا وردة
سقيناها بدموع أحزاننا حتى باتت متعملقة
دانية مشاعرها
وافرة أفراحها
نأكل من ثمرها فلا نشبع
نستظل بجوارها فلا نشعر بقيظ  الحرمان الذي رافق ظلالنا الحزينة لقرابة عام ألغيته من تقويم حياتي فلم أشعر بأنني بلغت الثلاثين
بل سافرت بي أيامي لترميني على عتبات الحادية والثلاثين مباشرة
واليوم فقط أقول يا حبيبتي أنني بلغت كمال روحي و إستويت رجل في أحضان قلبك
أشرب من عروقك معنى الحب الحقيقي
لأنني أحببتك يا حبي






الأربعاء، 6 أبريل، 2011

يا بحر





وقفت أمام البحر علني آتي منه بقبس بارد ، أسقطه على بؤرة اشتعلت نيراناً وهمية ، لتقتل بقايا خلايا ميتة نبتت على أطراف القصيدة .
وقفت أمامه أتأمل روعة سكونه الهادر .. كم هو قوي ، كم هو جميل ، كم هو للأسف حزين !!!!!
وقفت أمامه وأنا أحمل بكلتا يدي مشاعر وهموم مثل البقية ، هو أقدر على حملها منا ، هو من فتح زوايا قلبه حتى يبتلع حملاً كريه لا نرغبه ، هو من كان ينادينا حتى نفرغ أكف الألم على صفحاته الزرقاء .. فلِم أراه حزيناً الآن ؟!!
سقطت دمعة على وجهي من عينيه .. لم أصدق هل البحر يبكي ؟!!
تلمست أصابعي موضع دمعة لم تذرفها عيني ، ولكن النفس لم تسلم من آثارها .. هل يا ترى البحر يبكيني أم يرثي حاله ؟؟؟
: " لماذا تبكي "
قلتها والرجفة تعصف بلساني فتخرج الأحرف مبعثرة ، حائرة ، لا تمت لقوة صوتي بصلة .. علا أنين من أعماق البحر ، نزل على نفسي كوقع السياط ، أنين من أضاع الفرح وسط كومة أحزان ، أنين سعادة تكسرت دروبها فلم تعرف النفس بصمتها ، أنين تاريخ طويل من حمل شرائع المتبتلين على الأبواب .
: " لقد تعبت ، لم أعد أحتمل هذا ، أريد جسداً ليوم واحد على الأقل حتى أعرف معنى الحياة بعيداً عن مهام الألم التي أوكلتموها إلي "
ابتسمت وأنا أقذف بحصاة إلى أبعد نقطة تصل إليها مدى يدي وقلت
: " وهل يأخذ المخلوق أجازة من جسده ؟ "
رد علي بتنهيدة حارة لفحت وجهي
: " نعم ، لكلٍ منا يوم يستطيع به تبادل جسده مع من يرغب ، وسيتحمل كل واحد منهم مسؤولية اختياره هذا "
زادت ابتسامتي وأصابتني نشوة غريبة
: " وما الجسد الذي تتمنى أن تقضي فيه يومك هذا ؟ "
رد بدهشة لغباء سؤالي
: " بالتأكيد جسد أحد أبناء آدم "
اتسعت حدقتا عيني واكتسحت النشوة كامل جسدي ، ودبت الحماسة في روحي .. نعم هذه هي الفرصة فلم أضيعها .
: " أنني أعطيك هذه الفرصة ، فإذا رغبت سأبادلك ليوم "
صمت البحر ثم ما لبث أن أزبد وزمجر بغضب
: " ولماذا تهبني جسدك ؟ "
داخلني أحساس عميق بالحيرة والألم لم أعرف لهما سبب
: " أريد أن أتحرر من جسدي البالي ، أريد أن أحلق بروحي ، أريد أن اخذ راحة مني ومن حياتي البشرية "
ساد صمت طويل أو أنني هكذا رأيته عندما هبت رياح عاتية ، وهاج البحر وماج ، وسمعت صوت عميق يهتف بسخرية
: " لك ما طلبت "
أحسست بعدها بدوار يقبض بعنف على جسدي حتى سقطت مغشياً علي .
أفقت وأنا أشعر بالثقل الشديد يعصف بي ، تلفتت حولي حتى إذا ما رأيت موضعي صحت بشدة تردد صداها عبر الأرجاء .. حاولت التملص وإذا بموجة عالية تكونت جراء فعلي هذا وتسببت بغرق سفينة كانت تمخر عبابي .. سكنت خوفاً من أن أتسبب بكوارث أخرى بسبب خوفي ..هنا ذهبت السكرة وأتى الندم بدون شك ـــــ بعض الأماني تقتل أصحابها ـــــ نظرت أمامي فوجدتني أنظر لي أو بالأصح أنظر إلى جسدي الواقف على الشاطئ مبتسماً ، ولكنها ابتسامة تشًفي يرسلها البحر لي عبر شفاهي .. ما الذي يجعله واثق بأنه سيكون أسعد مني في هذه العملية التبادلية ؟ .. قال كلمته ثم غاب بجسدي وسط الحطام
: " لا تغضب وكن حليم ، ثم لا تحاول قطف القمر لأنك لن تصل إليه "
لم ألقي له بال وتأملت السماء ، كم هي جميلة في هذا الوقت من منتصف النهار وبعض الغيوم تزينها ، أعشق الطبيعة وأذوب فيها .
أحسست بألم شديد أصاب جزء مني ، التفتت إلى مصدره فوجدت رجل يقوم بقذف الحجارة بكل قسوة نحوي دون ذرة أحساس .. تملكني غضب شديد وقمت بتشكيل موجة هادرة أغرقت بها الرجل الذي تراجع بخوف حتى ابتعد عن حدودي .. ضحكت ولكن ضحكتي كانت وبالاً على رواد الشاطئ حيث أنني قذفت نحوهم بعض حجارة أعماقي فصمتت يا إلهي ألا يحق لي الضحك أو حتى الغضب !!!
فجأة أحسست بالحزن يتسلل إلى نفسي ، ثم سمعت صوتاً باكياً يقول :
يابحر أتيتك اليوم ألم
أتيت دموع دائرة بين عينين
وحكاية حب مشوهة
يابحر لملم دموعي ثم ضمها
 لأنها أشعلت عيني على ذلك الحبيب الذي أتيته بكل الوله وغادر على أنغام الصدود
غبت عن عينيه ، تناسيت وجوده حلفت بعظيم حبي لأسقيه مر كأسه
لكن اليوم رأيته في عيني
اليوم أحسست بنبضه في عروقي
اليوم غطتني الذكرى بدافئ جفونه
ثم عاد الشوق ليعريني أمامه
لم أجد غير أحضانه تسترني ، تلملمني ، تجمع بقايا روح بعثرها الهوى في دروبه
هل تشعر بي يا بحر
أنظر للروح تاهت في تلك المسافات
شاهد كيف قسمت قلبي ما بين شرق وشمال وجنوب ولكن رفضت القسمة غروبه
هل يرضيك يا بحر هموم حملتها بدونه ؟
سقطت دمعتي على وجهها فابتسمت تلك الفتاة بحزن وقالت
:" يا بحر وهل يعطي فاقد الشيء ما نبحث عنه عنده ؟ "
مسحت دموعي ثم استطردت
: " سألملم أحزاني وأرحل بها معي فلطالما جئتك أشرب وأعود أكثر عطشاً "
غادرت الفتاة بعد أن تركت لي تذكار عبارة عن وردة بيضاء أودعتها قبلة من شفاهها الطاهر .
تقطعت أمواجي حسرات ، وتساقطت نفسي غماً وأسفاً على حالها الأليم ، وزاد من جزعي أنها لم تجد عندي الراحة المنشودة .. كم كنت فاشل في تقمص شخصية البحر .
حان موعد الغروب لتتحول السماء من الأحمر إلى البرتقالي ولا أعلم لماذا صاحبها هذا الوجد الذي يحرقني .. اضطرب بالي ، وزاد شجني مع غروب الشمس .. أفقت من أحزاني على وقع صوت أشد حزناً وكمداً وهو يصدح بكلماته
هل نسيت أم لا زلت اذكر
هل كتبت أم مزقت الأوراق قصراً
آه يا صفحة الأيام لازلت أذكر رغم الألم
أولى شهقات الحب الحارقة
وأولى نظرات الشوق الصارخة
لازلت أذكر حكايات المنام
وأماني النفس الغافية
لازلت أذكر خربشات على جدار الطفولة الحالمة
التي كانت أولى بذور الحب في أرض لم تعرف الخصوبة
واليوم أتقنت فن جداريات الحب على القلوب الباهتة
نعم لازلت أذكر دمعة خانها التعبير على عبير وردة ذابلة
هي أولى الهدايا وآخر الآلام
نعم لازلت أذكر وشاح الخوف الذي غطى نصف وجهي ذات ليلة
نعم لازلت أذكر سكرات الموت الباردة التي تغمرني كل مساء وأنا أعلم أنها في أحضانه
غارقة في قبلاته
لا يابحر لا أريد أن اذكر أنها لغيري
يا بحر أرحني
خذ قلبي
خذ عقلي
خذ عمري
قالها العاشق وسقط وسط أحضاني القاتلة ، وهاهو عاشق جديد قتله حبه .
وهاهو الحزن ينمو وينمو حتى غدا وحش كاسر ينهش في بدني بقسوة ، هذا يبكي وهذا يشكي وهذا يقذفني بحجارة وأحياناً يتمادى ويقذفني بالزجاج ، وهؤلاء برغم الألم يتهموني بالغدر وعدم الأمان حتى هدأت النفوس قليلاً قبل شروق الشمس .
وجدت بعض الوقت فتأملت السماء .. رأيت القمر بدراً ، ما أبدع صنع الخالق ، ولكنني لم أفهم كيف يمكنني قطف القمر ؟ !!
تركت الأسئلة ولم أبحث عن الأجوبة ، وضللت أتفكر في أمر البحر .. كم هو بائس و وحيد .
مرت الساعات تلو الساعات وأنا أنتظر جسدي أن يعود .. لم أعد أتحمل كل هذا الألم .. أصبحت روحي ممزقة ، والموت يحوم حولي لشدة تعبي و وجعي .
ظهر من بعيد والسعادة تغمره ، وقف أمامي وقال
: " هل حلقت بروحك يا فارس ؟ "
هل رأيت ما تتمنى ؟ "
بكيت بحرقة وأنا أنظر له بتوسل
: " أرجوك أعد لي جسدي "
رد علي بحزم
: " خذه هو لك "
هاج البحر من جديد وسقطت مغشياً علي لأفيق وأنا في جسدي الفاني الجميل .
زفر وهو يحدثني
: " آمل أن تكون قد تعلمت الدرس ، فما تسميه أحزان بداخلك هي أوهام لم تصل للحزن أبداً .. أشكرك لأنك وهبتني هذا الجسد لأحقق حلمي فقد كانت هذه التجربة كافية جداً لأصف نفسي بالسعيد "
ذرفت دمعة ندم صادقة
: " أعدك بألا يعرف الحزن طريقه إلى بابي ، وأن أصنع السعادة من لاشيء "
صمت البحر لفترة طويلة ثم قال
: " حياتك جميلة جداً حتى وإن كانت الحيرة تتلبسك فحافظ عليها ، ثم أن هناك صديق قريب أبعدته عنك هو خجول لا أكثر ، هو خائف لا أكثر ، هو حزين لا أكثر ، هو يحتاجك لا أكثر فلا تتركه يغرق في موج الحياة الهادر "
وضعت يدي على صدري أتحسس موضع قلبي الذي آلمني فجأة
: " لا تقلق يا بحر سأكون بقربه طالما هذا القلب ينبض بحبه ولن أغادره مهما طال الليل وعصفت بنا رياح الحياة "
لفنا الصمت من جديد ثم قلت له
: " سأحاول قطف القمر "
رد بحنان
: " باستطاعتك ذلك إن أردت فقط تحلى بالصبر والعزيمة وأترك قلبك يقودك إلى حيث يريد "
ودعته بعد أن قذفته ولكن هذه المرة بباقة ورد تحمل كل ألوان الطيف ثم غادرت إلى حياة قديمة بروح جديدة .

فارس السلطاني